عمر فروخ

422

تاريخ الأدب العربي

فيلتذّ الفهم بحسن معانيه كالتذاذ السمع بمونق « 1 » كلامه . . . . . فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض « 2 » المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا وأعدّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه والقوافي التي توافقه والوزن الذي يسلس « 3 » القول عليه . فإذا اتّفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه « 4 » أثبته وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه ، بل يعلّق « 5 » كلّ بيت يتّفق له نظمه على ( ما يمكن أن يكون من ) تفاوت « 6 » بينه وبين ما قبله . فإذا كملت له المعاني وكثرت الأبيات وفّق بينها بأبيات تكون نظاما لها وسلكا جامعا لما تشتّت منها . ثمّ يتأمّل ما قد أدّاه إليه طبعه ونتيجة فكرته فيستقصي انتقاده ويرمّ ما وهى « 7 » منه ويبدّل بكلّ لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقيّة . وان اتّفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني واتّفق له معنى آخر مضادّ للمعنى الآخر - وكانت تلك القافية أوقع « 8 » في المعنى الثاني منها في المعنى الأوّل - نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه « 9 » وطلب لمعناه قافية تشاكله . . . . وقد جمعنا ما اخترناه من أشعار الشعراء في كتاب سمّيناه « تهذيب الطبع » يرتاض من تعاطى قول الشعر بالنظر فيه ويسلك المنهاج الذي سلكه الشعراء ويتناول المعاني اللطيفة كتناولهم إيّاها ويحتذي على تلك الأمثلة التي طرّقوا أقوالهم « 10 » فيها . . . .

--> ( 1 ) المونق : الجميل الذي يسر العين . ( 2 ) مخض فلان اللبن : ( وضعه في وعاء ثم حركه ) حتى ينفصل الزبد من المخيض ( الماء الباقي بعد انفصال الزبد ) . ( 3 ) يسلس : يلين ويسهل . ( 4 ) يشاكل : يشابه ، يوافق . يروم : يطلب . ( 5 ) علق : أثبت ، دون ، كتب . ( 6 ) التفاوت : التباين ، اختلاف الشيء الواحد في أحوال متعددة ( على غير نظام معين ) . ( 7 ) رم : أصلح . وهي : ضعف . ( 8 ) أوقع : أحسن موقعا ( أكثر موافقة ) . ( 9 ) نقض : هدم . ( 10 ) احتذى فلان شيئا : صنع الأشياء على مثاله . طرقوا أقوالهم فيها : جعلوا أقوالهم ( شعرهم ونثرهم ) طرائق ( أنواعا ) . . .